الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

44

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 32 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 32 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ( 32 ) عود إلى معاذيرهم وتعلّلاتهم الفاسدة إذ طعنوا في القرآن بأنه نزّل منجّما وقالوا : لو كان من عند اللّه لنزل كتابا جملة واحدة . وضمير وَقالَ ظاهر في أنه عائد إلى المشركين ، وهذه جهالة منهم بنسبة كتب الرسل فإنها لم ينزل شيء منها جملة واحدة وإنما كانت وحيا مفرّقا ؛ فالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام في الألواح هي عشر كلمات بمقدار سورة الليل في القرآن ، وما كان الإنجيل إلا أقوالا ينطق بها عيسى عليه السلام في الملإ ، وكذلك الزبور نزل قطعا كثيرة ، فالمشركون نسوا ذلك أو جهلوا فقالوا : هلّا نزل القرآن على محمد جملة واحدة فنعلم أنه رسول اللّه . وقيل : إن قائل هذا اليهود أو النصارى ، فإن صح ذلك فهو بهتان منهم لأنهم يعلمون أنه لم تنزل التوراة والإنجيل والزبور إلا مفرقة . فخوض المفسرين في بيان الفرق بين حالة رسولنا من الأمية وحالة الرسل الذين أنزلت عليهم الكتب اشتغال بما لا طائل فيه ، فإن تلك الكتب لم تنزل أسفارا تامة قط . و نُزِّلَ هنا مرادف أنزل وليس فيه إيذان بما يدل عليه التفعيل من التكثير كما تقدم في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير بقرينة قولهم : جُمْلَةً واحِدَةً . وقد جاء قوله : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ردّا على طعنهم ، فهو كلام مستأنف فيه ردّ لما أرادوه من قولهم : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً وعدل فيه عن خطابهم إلى خطاب الرسول عليه الصلاة والسلام إعلاما له بحكمة تنزيله مفرّقا ، وفي ضمنه امتنان على الرسول بما فيه تثبيت قلبه والتيسير عليه . وقوله : كَذلِكَ جواب عن قولهم : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً إشارة إلى الإنزال المفهوم من « لو نزّل عليه القرآن » وهو حالة إنزال القرآن منجّما ، أي أنزلناه كذلك الإنزال ، أي المنجّم ، أي كذلك الإنزال الذي جهلوا حكمته ، فاسم الإشارة في محلّ نصب على أنه نائب عن مفعول مطلق جاء بدلا عن الفعل . فالتقدير : أنزلناه إنزالا كذلك الإنزال المنجّم . فموقع جملة كَذلِكَ موقع الاستئناف في المحاورة . واللام في لِنُثَبِّتَ متعلقة بالفعل المقدّر الذي دلّ عليه كَذلِكَ . والتثبيت : جعل الشيء ثابتا . والثبات : استقرار الشيء في مكانه غير متزلزل قال تعالى : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ